الشيخ محمد رشيد رضا

192

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذا ما يظهر بالبحث في الدليل ولكننا لم نطلع على قول صريح لاحد من العلماء في حل التزوج بما عدا الكتابيات والمجوسيات من غير المسلمين ، وقد صرح بحل المجوسية الإمام أبو ثور صاحب الإمام الشافعي الذي تفقه به حتى صار مجتهدا وصرحوا بأن تفرده لا يعد وجها في مذهب الشافعي . فالشافعية لا يبيحون نكاح المجوسية فضلا عن الوثنية الصينية ولا يأتي في هذا المقام قول بعض أهل الأصول ان النهي لا يقتضي البطلان في العقود والمعاملات وهو مذهب الحنفية فإنهم استثنوا منه النكاح وعللوا ذلك بأنه عقد موضوع للحل فلما انفصل عنه ما وضع له بالنهي المقتضي للحرمة كان باطلا بخلاف البيع لان وضعه للملك لا للحل بدليل مشروعيته في موضع الحرمة كالأمة المجوسية فلذلك كان النهي عن شيء منه غير مقتض لبطلان العقد . فلا يقال عندهم إن نكاح الصينية يقع صحيحا وان كان محرما وأما البحث في المسألة من جهة حكمة التشريع فقد بين تعالى ذلك في آية النهي عن التناكح بين المؤمنين والمشركين في آية البقرة بقوله ( أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ) وقد وضحنا ذلك في تفسير الآية وبينا الفرق بين المشركة والكتابية فيراجع في الجزء الثاني من التفسير ( من ص 357 - 361 ) ومنه ان أهل الكتاب لكونهم أقرب إلى المؤمنين شرعت موادتهم لأنهم بمعاشرتنا ومعرفة حقيقة الاسلام منا بالتخلق والعمل بظهر لهم ان ديننا هو عين دينهم مع مزيد بيان واصلاح يقتضيه ترقي البشر ، وإزالة بدع وأوهام دخلت عليهم من باب الدين وما هي من الدين في شيء . واما المشركون فلا صلة بين ديننا ودينهم قط . ولذلك دخل أهل الكتاب في الاسلام مختارين بعد ما انتشر بينهم وعرفوا حقيقته ولو قبلت الجزية من مشركي العرب كما قبلت من أهل الكتاب لما دخلوا في الاسلام كافة ، ولما قامت لهذا الدين قائمة . ومن الفرق بينهما في القرب من الاسلام أو الدعوة إلى النار ان أهل الكتاب لم يكونوا يعذبون من يقدرون عليه من المسلمين ليرجع عن دينه كما كان يفعل مشركو العرب ثم إن للاسلام سياسة خاصة في العرب وبلادهم وهي أن تكون جزيرة العرب